مدونات مراجعات كتب

معنى المعاناة ، اجعل لمعاناتك معنى

معنى المعاناة

 

إن كان لا بد من المعاناة فلا بد من أن نجعل لمعاناتنا معنى .
يتحدث الدكتور و الأستاذ في علم النفس فيكتور فرانكل في كتابه الإنسان يبحث عن معنى – و يعتبر هذا ااكتاب مقدمة في نظريته العلاج بالمعنى- عن أن المعاناة شيء نسبي فيقول

” إن المعاناة تغمر الروح الإنسانية كلها و العقل الواعي بأكمله بصرف النظر عما إذا كانت المعاناة صغيرة أو كبيرة – مسألة نسبية “

و يتحدث الدكتور فرانكل في هذا الكتاب عن خبراته في معسكر الإعتقال النازي أيام الحرب العالمية الثانية و يعرض علينا بشاعة الصور و المواقف التي تعرض لها في ظل إنعدام الإنسانية في معسكرات الإعتقال تلك من الإعدامات بالغاز و العمل تحت ظروف قاسية و سوء التغذية و الأوساخ و الأمراض المعدية  التي تسببت في موت نسبة كبيرة من المعتقلين .. و يخرج بنا الدكتور من كل هذا ليقول ما مفاده أن الإنسان يستطيع أن يصارع أي ظرف كان و يستطيع أن يواجه المعاناة بكل قوة إذا جعل من معاناته معنى .. و يستشهد بمقولة للفيلسوف نيتشه ” من يعرف السبب الذي يعيش من أجله يستطيع العيش بأي طريقة ”

ثم ذكر الدكتور فرنكل أن الحب أسمى درجات المعنى فكان يتذكر زوجته أثناء إحساسه بالضعف و الهوان بين المعاناة الجسدية و النفسية التي تعرض لها و كيف ساعده الأمر في أن يسمو على المعاناة و يلخص الأمر في كلمات مؤثرة فيقول ” خلاص الإنسان هو في الحب و من خلال الحب ”

ثم يتحدث عن أن معنى المعاناة يمكن أن تجعل الإنسان يتمسك بالحياة تحت أي ظروف كانت و مهما كانت درجة المعاناة تلك و يطرح الموضوع من خلال شخصه و صراعه في البحث عن معنى لمعاناته في معسكرات الإعتقال .. فقبل كتابته لكتاب ما في نظريته عن العلاج بالمعنى فقد مخطط الكتاب داخل أحد معسكرات الإعتقال لكنه قرر في النهاية أن يعيد تخطيط الكتاب داخل ما سماه بمختبرات معسكرات الإعتقال فأخذ يحلل سلوكيات السجين داخل المعسكر الأمر الذي ساعده على التمسك بالحياة و الخروج من المعتقل حيا ليكمل كتابة كتابه و نظريته في العلاج بالمعنى ..
” إن المعاناة تتوقف أن تكون معاناة بشكل ما ، في اللحظة التي تكسب فيها معنى ”

يذكر فرانكل في كتابه مثالا عن طبيب فقد زوجته لأكثر من ثلاث سنوات و قد لجأ إليه لما كان يعانيه من إكتئاب شديد نتيجة حبه الكبير لزوجته فأخذ الدكتور فرنكل يطرح عليه السؤال التالي
– ” ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أنك توفيت أنت أولا و بقيت زوجتك على قيد الحياة بعدك ”
– أجابه ” كان هذا سيكون لها أمرا رهيبا للغاية .. إذ كانت ستحس باللوعة و المعاناة ”
– ليرد الدكتور فرانكل بهذه الكلمات الرائعة ” إنها كانت ستعيش تلك الآلام و هذه المعاناة و أنت الذي عشت من أجلها تتحمل المعاناة و عليك الآن أن تضحي من أجلها بالبقاء و بتقديس ذكراها ”

لنتعلم ممن سبقونا

يقول الدكتور مصطفى محمود ” مرضي منحة من الله لأصبر و أتطهر ” و قد عانى اادكتور مصطفى محمود على مدار حياته من تدهور حالته الصحية و أمضى الكثير من الوقت على سرير المستشفى مما ساعده على قراءة الكثير الذي أظن أنه كان له تأثير كبير على شخصيته و على الأثر الذي تركه بعد ذلك .. و قد أجرى الدكتور القدير أكثر من 25 عملية جراحية و كتب 89 كتابا مازالت تترك أثر في حياة قارئها إلى الآن إضافة إلى أكثر من 400 حلقة من برنامجه الشهير ” العلم و الإيمان ” و جمعيته الخيرية التي تظم مستشفى لمحدودي الدخل و مسجد محمود المعروف بالإضافة إلى مركز للأبحاث ..
و من منا لا يتذكر قصة تعذيب سيدنا بلال إبن رباح على يد أمية و طريقة صموده أمام أشد أنواع التعذيب قسوة و كيف حبست أنفاسه تلك الصخرة التي وضعوها على صدره و هو يردد “أحد أحد ” فهل كان يستطيع بلال أن يصمد لولا ذلك المعنى الأسمى لمعاناته ! إنني لأشك في ذلك و أعتقد أنه كلما كان المعنى أقوى و أعمق كانت القدرة على الصمود أكبر ..

و لا يسعني إلا أن أقول .. لولا المعاناة ! إن المعاناة يا صديقي تصقل النفس كما يصقل النحاة الحجارة و التاريخ إن أمعنت النظر مليء بهؤلاء الذين خرجت عظمتهم من رحم معاناتهم مما لا يسعنا ذكرهم في هذه المقالة .. لكني أقترح عليك أن تقرأ سير الأنبياء و خاصة نبينا و حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ..
و أعلم أن الله لا يكلف نفسا إلا و سعها و أنه هو الذي يقدر الأقدار خيرها و شرها ليخرج منا أفضل ما فينا ..

” يوجد شيء واحد فقط يروعني و هو أن لا أكون جديرا بآلامي ”
– دوستويفسكي

يقول فرانكل بعد خروجه من سجن الإعتقال ” لقد دعوت الله من سجني الضيق فأجابني في رحابة الكون ”

لا شيء يدوم و كلنا إلى التراب ماضون و ” أعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك و ما أصابك لم يكن ليخطأك ”

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

تعليق واحد

شاركنا رأيك